التراث المريدي

صفات المُريد الصَّادق

نودُّ أن نتطرّق إلى توضيحِ وكشف النِّقاب عن صفات المُريدين الصَّادقينَ خلال هذه المُحاضرة الرمضانية تقوم دائرة نُور الدّارين بتنظيمهَا منذ سنوات منصَرمة .

معنَى الإرادة والمُريدِ

يروقنا فِي هَذا المقام أن نسُوق أقوال العُلماء السَّالكينَ في معنَى المُريد والمُريد الصَّادق التي استَللناها مِن كُتبهم القيّمة .

معنَى الإرادة والمُريد فِي المَعاجم اللُّغوية والصُّوفية :

قَد وردت كلمة المُريد في كثير من المعاجم وهي من أَرَادَ ( فعل ) يُريد، أَرِدْ، إرادةً ، فهو مُريد، والمفعول مُراد .

أراد اللهُ الشَّيءَ: شاءَه
أَرَادَهُ عَلَى سَفَرٍ لا َيُطَاقُ: حَمَلَهُ عَلَيْهِ
أَرَادَهَا لِنَفْسِهِ: أَحَبَّهَا، إِذَا أَرَادَتْ ذَلِكَ فَلَهَا مَا تُرِيدُ.
مُريد ( اسم ): اسم فاعل من أرادَ
تابع، متعلِّم على شيخ .
رتبة من رتب الصُّوفيَّة
هُوَ مُرِيدُهُ : مِنْ طَلَبَتِهِ وأَنْصَارِهِ وَمُنَاصِرِيهِ كَانَ مِنْ مُرِيدِيهِ. [ ينظر: ” معجم الوسيط ” ]

والإرادةُ مُصطلح معروف وشائع في الفكر الصُّوفيّ وقد عرَّفها الإمام الربانيُّ الشيخ عبد الكريم القُشيري – قدّس الله سرّه – في رسالتِه المشهورةِ بقوله : ” بَدء طريق السَّالكين، وهي اسم لأول مَنزلة القاصدين إلى الله تعالى، وإنما سُميت هذه الصِّفة: إرادة؛ لأن الإرادةَ مقدمةُ كلِّ أمرٍ، فما لم يُردِ العبدُ شيئًا لم يفعله، فلما كان هذا أوَّلَ الأمر لمن سَلك طريق الله عز وجل سُمي: إرادة تَشبيهًا بالقَصد في الأمُور الذي هو مقدمتها، و”المُريد” على موجبِ الاشتقاق: مَن له إرادة …”. [ ينظر: ” الرسالة القشيرية “، ط دار الكتب العلمية – بيروت، ص: (236)].

الإرادة

صفة توجب للحي حالاً يقع منه الفعل على وجهٍ دون وجه، وفي الحقيقة: هي ما لا يتعلق دائماً إلا بالمعدوم، فإنها صفة تخصص أمراً لحصوله ووجوده، كما قال الله تعالى: { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}. وميل يعقب اعتقاد النفع؛ ومطالبة القلب غذاء الروح من طيب النفس، وقيل: الإرادة حب النفس عن مراداتها، والإقبال على أوامر الله تعالى والرضا، وقيل: الإرادة: جورةٌ من نار المحبة في القلب مقتضية لإجابة دواعي الحقيقة . [ كتاب ” التعريفات “، للجُرجانيّ ]

مفهُوم المُريد

المُريدُ: هُو السّالك، رُتبة من رتب الصُّوفية، أو السّالك الذي يرقى في المقامات والأحوال إلى أن يصل.
[ ينظر: ” موسوعة مصطلحات التصوّف الإسلامي “، للدكتور رفيق المعجم، ص:(887)].

وقيل المُريدُ : هُو المتجرّدُ عَن إرادته، وقال أبو حامد الغزالي: هو الذي صح له الابتداء فدخل فِي جملة المنقطعين إلى الله عزّ وجلّ بالاسم. الكلمات التي تداولتها الصّوفية، سيدي محيى الدين بن عربي، تحقيق: محمد عبد الرحمن الشاغول. الناشر: دار جوامع الكلم، ص: [19]، و كتاب الإملاء عن إشكاليات الإحياء للإمام الغزالي، ملحق بالاحياء فِي المجلد الخامس، الطبعة الأولى: ص: (32) شركة القدس .

وهو أيضا في الاصطِلاح الصُّوفيِّ هو السالك الذي يُريد أن يصل إلى الحضرة الإلهية قبل كل شيء ويَنال بالتالي صفة الشيخ الرُّوحي .

ويرى بول مارتي أن السنيغاليين منذ بداية القرن العشرين الميلادي انتهى السنغاليون بهذه الصيغة مُريد mourid إلى تعيين مجمُوعة أتباع الطائفة الدينية الجديدة التي يقُودها سرين أحمد بامبا بصفة خاصة [1].

مفهُوم الإرادة والمُريد عند الشيخ الخديم – رضي الله عنه -:

يقول أبو المحامد – رضي الله عنه – في منظومته ” تَزوّد الشبان” مبيِّنا حدَّ الإرادةِ عند الصُّوفيةِ :
حَدُّ الإرادةِ بقَولِ السَّادةْ = تَركُ المُريدِ ما عَليهِ العَادةْ
ثُمَّ رجُوعُه إلى المُعتادِ = قَبلَ وصُولِه كالارتِدادِ

والمُريدُ: هُو السَّالك الذي يُريد وجه الله تعالى ويقصدُ رضَاه الأكبر  في سَائر حركاته وسكناته بُكرة وأصيلا بدون السأم أو الملل، أو هُو العبد السَّاعى لنيل رضى خَالقه في جَميع حَركاته وسَكناته، كما صرّح بذلك مؤسِّسُ المُريدية في منظومته ” مسالك الجنان “:
إذ المُريدُ لا يُريدُ أبدَا = غيرَ رضى الرَّحمَانِ حَيثُ قصَدا

مفهومُ المُريدية:

ويُمكن أن نقُول بأنَّ المُريدين هم الذينَ ينسبُون إلى الطريقة المُريدية السَّنية التي أسَّسها الشيخ الخديم ومن بعضِ مفهوماتها ما يَلي:

لقد عرَّف الباحثُ الفيلوسُوف الشيخُ محمد مُصطفى جُوب الكوكيُّ مفهُوم المُريديةِ بهذا التعريفِ : ” حَركةٌ صُوفيةٌ تَجديديةٌ جامِعةٌ “.

ونقولُ إنَّ المُريدية هِي المنهج التربوي الذي أسسه الشيخ الخديم – قدس الله سِرّه – لإحياء الشريعة المطهّرة و السُّنة المُنورة .

أو هي المَنهجُ التربويُّ لتكوين الإنسان جَسديا ورُوحيا، كما شهد بذلك شاهد من أهلها الشيخُ امباكي بوسُو – رضي الله عنه – الذي يقُول في مدح مؤسّسها:
هُو الغوثُ والمغياثُ ربَّى قلُوبنا = وأجسامَنا فالكلُّ صَافٍ وناعمُ

والمُراد بالقَلب هُنا الروحُ.

مفهوم المُريد الصَّادق عند الصُّوفية:

لا يعزبُ عَن بال ذي علم ومعرفة أن المريدَ الصَّادق درجة عالية من درجاتِ السُّلوك عند أهل البَصيرةِ والحال، وأما معناهُ: فَهو من اتصف عنده هذه الخِصال التالية فِي الفكر الخَديمي: الصِّدق في محبّة الشيخ، وامتثال آمره واجتناب نهيه، وحسن الظن به، وترك الاعراض ظاهرة وباطنة، وسَلب الاختبار. و قال الشيخ أبو السعود بن العشائر: ” المُريد الصادق هو الذي لا يتعبُ شيخه لما عنده من النّهضة والعزم والله أعلم” . [ الأنوار القدسية، للعارف بالله الإمام الشَّعراني، ص: (171)]

ويقولُ الدكتور حسن محمد الشرقاوي – أستاذ الفلسَفة الإسلامية بجامعة الاسكندرية – معرفا مُصطلح المُريد الصَّادق: ” هو الذي يُشترط فيه الصِّدق والصَّراحة مع شيخه حتى يستطيعَ الطبيب المربِّي أن يصف له الدواء المُناسب لحَالته حتى لا يسرع العطب إلى نفسه فيهلك، لأنّه من الضروري للمريض أن يعرض حالته عَلى طبيبه عَرضا صَادقا، وإلا وصف لهُ الطبيب دواء لا يصلح له ربما زاده مرض، وهنا تقع مسؤولية الخطأ. ولذلك يوصي أئمة الصوفية بأن لا يأخذ المريد العهد من الشيخ إلا بعد أن يُجربه الشيخ ويعرف كلّ شخصيته قبل أن ينضم إلى الطريق.

كذلك فإنه لا يمكن أن يكون الشيخ ذا قدم إلا إذا كان صاحب فراسة فيعرف مريده ببصيرة نافذة ناتجة عن صدقه وعلمه، وأتباعه للقدوة المحمدية ومعرفة بالخواطر الشيطانية، وسياسة الدين والدُّنيا وبذلك يمكن أن يقال عنه أنه شيخ في الطريق. [ ينظر: ” الكوكب الشاهق فِي الفرق بين المريد الصَّادق وغير الصّادق”، للشيخ الإمام عبد الوهاب الشعراني، تحقيق وتعليق ودراسة: دكتور حسن محمد الشرقاوي أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الاسكندرية 1991م، الطبعة الثانية، دار المعارف، ص: (48)]

وقد عرَّف سيدي محمد الهاشمي – قدس الله سره – المريد الحقيقي أو الصادق : ” بأنه الذي سلَّم نفسه مباشرة بالفعل للشيخ المُرشد الحي في أيام السير إلى الله تعالى ليسلك به الطريق إلى أن يقول: ها أنت وربُّك “. فيصير المريد مراداً. فإذا انتهَى سَيره إلى الله تعالى وصاَر في الله بالله لله صار المُريد مرادًا عبدًا لله حُرًّا مما سِواه .

مفهُوم المُريد الصَّادق عند الشيخ الخديم – رضي الله عنه -:

يقول الشيخ في بيان معنى المريد الصادق ما لفظهُ هكذا : ” مريد صادق: الميم إشارة إلى محبة الشيخ والراء رفقة والياء يقين القلب والدال دليل والصاد صبر والألف امتثال الأوامر والدال دوام عليها والقاف قلب سليم ” . [ حكمة بالغة للشيخ الخديم ].

وقال – عَليه أكبر رضوان الباقي القَديم – :
فَصادقُ المُريد من ينقَلبُ = بحُكم وقته ولا يَرتفبُ
أمامَه وقتًا فإنَّ ذاكَا = يَمنعُ من إصلاحِ مَا هُناكا
فلتنظُروا فِي جُنَّة المُريدِ = لشَيخنا الكُنتيّ ذِي التَّمجيدِ

هذا الكلام قريب من معنى قول ابنِ عطاء اللَّه في حِكمه: (إحالتُك الأعمَالَ عَلى وجُود الفَراغ من رُعونة النَّفسِ) [ ينظر: ” الحِكم العطائية “، لتاج الدين أحمد بن عطاء الله السكندري المتوفى سنة 709ه‍، ص : 09].

وقال الشَّارحُ ابن عَجيبة: (فالواجبُ على الإنسانِ أن يقطعَ عَلائقه وعَوائقه، ويُخالف هَواه، ويبادر إلى خِدمة مولاه، ولا يَنتظر وقتًا آخر، إذ الفقيرُ [الصُّوفي] ابن وقته) .[ينظر: “إيقاظ الهمم في شَرح الحكم” ج1، ص: (49)].

[ ينظر: المجموعة الصغرى، ص : (105) كما ورد أيضا الأبيات في “إرواء النَّديم” للشيخ محمد الأمين جوب الدَّغاني بتحقيق الدكتور محمد شقرون، ص: (71) مع اختلاف يسير في البيت الأخير الذي أوردهُ هكذا :
فلتنظُروا فِي جُنَّة المُريدِ [2]= لشَيخنا الخَليفةِ الرَّشيدِ ]

وقال الشيخ الخديم – رضي الله عنه – في قصيدته ” حقَّ البكاء “:
طُوبَى لعبدٍ مُريد صَادق لهمُ = بخدمة أو بِحبٍّ أوهَدياتِ

لهُم : الضَّمير عائد على السَّاداتِ.

ويقول أبو المواهب الشيخ عبد الوهاب الشّعرانيُّ :” وقد كان سيدي الشيخ أبو العباس المرسي – رحمه الله تعالى – يقول :” ليس المُريد من يفتخرُ بشيخِه، وإنما المُريد من يفتخر شيخه بهِ “.
وكان يقول أيضا : ” كلّ من لم يصبرْ على صُحبة شيخه ابتلاه الله بخدمة النِّساء وموت القلب “. [ الأنوار القدسية، للعارف بالله الإمام الشَّعراني، ص: (137 وما بعدها)، النَّاشر/ دار جوامع الكلم].

ولقَد سَبق أن أشرنا في إحدى بُحوثنا إلى أن المُريد الصادقَ يكون مسلما حقا ومؤمنا ومحسنا لأعماله وأقواله ويتحلى بجميع مكارم الأخلاق ويتخلى عن الرذائل كالكبر والرياء والعجب والنفاق كل ذلك مع امتثال أوامر شيخه واجتناب نواهيه … وإضافة إلى ذلك يمكن القول أن جل الناس اليوم يظنون بأن أصحاب الأموال الذين يعطون الشيوخ أموالا طائلة، كالمصارعين والموسقيين الجهلاء والفنانين هم المريدون الصادقون، – ومع الأشد الشديد – يخالطون بعض الشيوخ ويظهرون الإرادة الصادقة، بل لهم مكان خاص، لأنهم أصحاب الهدايا الوافرة ، ولذلك يقول لهم بعض الشيوخ الذين انحرفوا عن الهدى : أنتم المريدون الصادقون وما هم بالمريدين بل هم المفسدون لدين الإسلام [3])

وقلَّ ما كان الشيخ الخديم – رضي الله عنهُ – ينصُّ على لفظ المُريد الصَّادق في الوصايا والرّسائل التي كان يكتبها للمُريدين، فقد قال مثلا في رسالتهِ إلى أخيه الشيخ إبراهيم فاط امباكّي – رضي الله عنه – التي تدل على كونِهِ المسلمَ الحقيقي والمريد الصادق الذي لا يريد سوى رضوان ربه، والفائز برضوان الله وهذا نصها : ” بسم الله الرحمان الرحيم متى تقع عينك على هذه الحروف فتيقن بأن كاتبها راض عنك رضي لا سخط بعده أبدا وأنه طالب من الله – تبارك وتعالى – لك ما يغبطك فيه جميع أمثالك فطب نفسا وقر عينا، ولا تشك في كون هذا من ربك إليك بواسطته، والله على ما نقول وكيل” فهل هناك شيء يطلبه الإنسان المسلم والمريد الصادق أكثر من كونه مرضيا عند الله وعند شيخه؟ ” ورضوان من الله أكبر “. [ الشيخ إبراهيم فاط امباكي، بقلم الأستاذ خديم مصطفى لو ح، نشر هذا المقال ضمن كتاب ” شخصيات من المدرسة الخديمية ” الذي أصدرته الإدارة العامة لمؤسسة الأزهر الإسلامية سنة 2004م، و” حياة الشيخ إبراهيم فاط امباكي”، تأليف: المرحوم الشيخ محمد المرتضى امباكي شيخ فاط، ص: (45)]

وهُناك رسالة أخرى أرسلها إلى مُريده الشيخ عبد الرحمان لوح – رضي الله عنهما – وهذا نصُّ الرسالة: ” الحمد لله وحده والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعدهُ .

أما بعد أيُّها المُريد الصَّادق عبد الرحمان لوح متى تقع عينك على هذه الحروف فتيقن بأن كاتبها راض عنك رضي لا سخط بعده أبدا وأنه طالب من الله – تبارك وتعالى – لك ما يغبطك فيه جميع أمثالك فطب نفسا وقر عينا، ولا تشك في كون هذا من ربك إليك بواسطته، والله على ما نقول وكيل ” والسَّلام عليكم ورحمة الله تَعالى وبركاتُه .

وكتبها الفقير إلى مولاه: أحمد بن محمد بن حبيب الله . [ نقلا عن كتاب ” كشف الغطاء عن الشخصية البتراء” في سيرة سرين اندام عبد الرحمان للباحث الحفيد سميه الشيخ عبد الرحمان مصطفى اللوحي، ص: (97) ]

من صفات المريدين الصَّادقينَ

قال الأديبُ الأريبُ والنقيبُ النجيبُ مبيّينا صفات المُريد الصَّادق نقلا عن الشَّعرانِيّ: [ من الرجز]
صِفاتُ صَادق المُريد باختِصَار = أربعة نظمتُها خوفَ اغترار
الصِّدق فِي مَحبة الشيخِ أبدْ = ثُم امتثال أمره حيثُ وردْ
وتَرك الاعتراضِ مُطلقا ولوْ = ببَاطن عَليهِ فيما قد رَووا
ومعه سلَبُ الاختيار = لحُسن ظنِّه بلا إنكار
فكلُّ مَن جَمع هَذه الصِّفات = مِن المُريدينَ فيُدرك الثِّقات
فانظرهُ فِي لطائفِ الشَّعراني = تجدهُ كالياقوتِ والمرجَانِ

وهَذا القول يتضمن معنَى قول الإمام العارف الشَّعرانيِّ : ” … فقلت له: وما صِفاتُ المُريد الصَّادق على وجه الاختِصار؟ فقال: هي أربعة، الأولى: صِدقه فِي محبَّة الشيخ، الثانية: امتثالُ أمره، الثالثة: تَركُ الاعتراض عَليه ولو في ليل أونَهار أو غَيبتِه أو حُضُوره، الرابعة: سلبُ الاختيار معه، فكلُّ من يجمع هذه الصِّفات الأربع فقَد صحّت قابليته، ونفذ فيه الحال، ونجح فيه الدَّواء، وصار كالحراق النَّاشف بالنِّسبة إلى الزِّناد … “. [ ينظر: كتاب ” لَطائف المنن” للإمام الشَّعرانيّ – قدّس الله سرّه – بتحقيق سالم مُصطفى البدري، ط. دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، ص: (480)]

1- الصِّدقُ في محبة الشيخ

وبادي ذي بدء، لا تغيبُ عن ذي خلد ولا يخفى على أحد أن المحبَّةَ في صدق الشيخ سفينة النَّجاة للمُريد من الزَّيع والإضلال [4] والغرق في التُّرهات التي تعرقل وصُول السَّالك إلى حضرة ملك المُلوك ربّ الأملاك، وهي شرط من شُروط المُريد الصَّادق . فالشيخ أحمد الخديم – رضي الله عنه – يقول في حِكمته : “إنَّ مفتاح مَحبة التلميذ لشيخه في امتثال أمره واجتناب نهيه” وحُسن الظن به، وأما مفتاح محبة شيخه له فرؤيته متعلقا به لطلب الوصول إلى مطلوبه مع المبادرة إلى أمره بلا اعتراض ظاهرا أو باطنا، أما مفتاح عكس هذه الأشياء فإصرار عَلى الذنوب والتسويف عن العمل الصّالح ومحبة العاصين، وعدم امتثال الأمر، وترك اجتناب النّهي، وسُوء الظن، وترك التعلق به لله تعالى – “. [ ينظر هذا الكلام ضمن ترجمة ” الشيخ إبراهيم فاط امباكي” بقلم الأستاذ خديم مصطفى لوح ضمن كتاب ” شخصيات من المدرسة الخديمية ” الذي أصدرته الإدارة العامة لمؤسسة الأزهر الإسلامية سنة 2004]

وللمُريدينَ قُدوة حَسنة في المحبة الصَّادقة فِي الشيخ الخديم – رضي الله عنه – الذي كانَ هائما في محبة وسيلته – صلى الله عليه وسلم – ويكنُّ لهُ مودة خالصة وحبّا جمًّا خالط سُويداء قلبه، وقد عبر عن ذلك في مواضع كثيرة من قصائده، كما قال فِي ” فتوح المكرم في أمداح المكرم “:

غَنِمْتُ حُبَّ المصطفى وَأَكتفي = بذاكَ فالْمُعْطَى كَفَافًا يَكْتفي

وقال في قصيدة موجُودة في ديوان ” الفلك المشحون المصنوع من اللب المصون “:
غَرِقْتُ في بَحر محبة الرّسولْ = وأرتجي به الرضاءَ والقبولْ

وقال أيضا في ديوان ” الفلك المشحون المصنُوع من اللب المصون “:
سكرتُ من خَمر محبّةِ النبي = فلا أزال في الثنآ بمطنبِ

وقال في قصيدة مقيدة بـ”عام شهد لي كرمه “:
شوقي وَودي ومَحبَّتي معا = لمن جلالًا وجمالًا جمعا

ومن الأمارات السَّاطعة والعلامات الناصعة التي تدلّ على صدق محبّته له – كونهُ أفدَى للنبي – صلّى الله عليه وسلم – بنفسه وبأولاده، وبأعزّ ما يملك، فقالمن قصيدة مقيدة بـ” لا إله إلا الله محمد رسول الله – صلى الله تعالى عليه وسلم -” :
مَحتْ مَحبتيَ الْمختارَ سيدَنا = حبي المغانيَ والأهلين والولدا
دمي وأهلي وأولادي الفداء له = عبدا خديما له مذ كان لي سَندَا

والأعجب في ذلك، أن يَقِيَ بخدّه رجلَ محبوبه – صلى الله عليه وسلم – من كل شوكةٍ أو ضارّ، فقال في قصيدته ” فتوح المكرم في أمداح المكرم “:

خَدِّي وِقايةٌ لرجْلِ الْمجتبَى = من شوكةٍ وما يضاهي عقربا [5]

ولا يشكُّ أحد أنَّ إخلاص المُريد في محبّته لشيخه – كما قال القوم – سلَّم يرتقي به إلى الدرجات العلى، كما قال أبو المواهب العارف بالله الإمام الشعراني – رضي الله عنه – : ” عُمدة الأدب مع الشيخ هو المحبة له؛ فمن لم يبالغ في محبة شيخه؛ بحيث يؤثره على جَميع شهواته لا يفلح في الطريق؛ لأن محبة الشيخ إنما هي مرتبة إدمان يترقى المُريد منها إلى مرتبة الحق عز وجل، ومن لم يحب الواسطة بينه وبين ربه التي من جملتها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهو منافق، والمنافق في الدَّرك الأسفل من النار “.

وسمعتُ سيدي عليا المرصفي – رحمه الله – يقول: المُريد يترقى في محبَّة شيخه إلى حد يتلذذ بكلام شيخه له كما يتلذذ بالجماع، فمن لم يعمل إلى هَذه الحالة فما أعطى الشيخ حقه من المحبة ! [ ينظر: الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، الشعراني، ص: (114- 155)].

قد تبوأت المحبَّة مكانة سامية في التراث المُريدي الصُّوفيّ من أنجال الشيخ الخديم وأكابر المريدين – رضي الله عليهم أجمعينَ -. فها هو الشيخ محمد الفاضل يقول مبايعا الشيخ الخديم – رضي الله عنهما – في قطعة أبيات رائعة:
يَا أَيُّهَا الشَّيْخُ النَّفِيسُ الْمُرْتَجَى= يَا فَاتِحًا مَا قَبْلُ كَانَ مُرْتَجَى
بِعْتُ بُنُوَّتِيَ بِالْإِرَادَهْ = لَكُمْ لِكَيْ أُحْظَى بِخَرْقِ عَادَهْ
مِنْ بَعْدِ مَا اشْتَرَيْتُمُوهَا مِنِّي = أَهْدَيْتُهَا لَكُمْ بِغَيْرِ مَنِّ
فَلْتَقْبَلُوهَا يَا مَلَاذُ كَرَمَا = لَازِلْتُمُ بَيْنَ الْبَرَايَا عَلَمَا
بِجَاهِ مَخْدُومِكُمُ الْمُفَضَّلِ = خَيْرِ الْأَوَاخِرِ مَعًا وَالْأُوَّلِ
صَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا وَسَلَّمَا = وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَكَرَّمَا

[ يراجع: ديوان الشيخ محمد الفاضل امباكي – رضي الله عنه – (النسخة الإلكترونية) التي قام بكتابتها الشيخ عبد القادر امباكي شيخ ميمونة – حفظه الله ورعاه -، ص: (2)]

مناسبة القصيدة:

صرّح الباحث أبو مدين شعيب كيبي في بَحثه المعنون بـ” حياة الشيخ محمد الفاضل امباكي – رضي الله عنه – ” :” بأنَّ هَذا المثقَّف الأديب والعبقريّ الأريب نظم هَذه الأبيات بعد أن جمعه والده الشيخ الخديم مع أخيه الشيخ محمد المُصطفى وعمه الشيخ مصمب وابن خاله الشيخ مور رقية بوصو – رضي الله عنهم -، وقال لهم :” إني لستُ بأب، ولا أخ، ولا خَال لأيّ منكُم، إنما أنا مخلُوق خالص لله وحده ولا شريك لأحد فِي عبادتي وإخلاصي كليتي له فمن اختار منكم أن يسلك الطريق التي رسَمه الله لكم، فهو ابنِي الحق وأخِي و قريبِي ومُريدي “.

ويقول أيضا:
يا رائما مثلَ شَيخِي = مَهلا فلستَ تراهُ  
تباركَ اللهُ مَن في الأ = نامِ غَوثا جلاهُ  
حُبِّي له الدَّهر يُغنيـ = نِي عَن حُبِّ سِواهُ   
[ دواوين الشعراء السّنغاليين في مزايا الشيخ الخديم ].

وقال الشيخ عبد الأحد امباكي في صدق إرادته :
أعطيتُكَ اليومَ بلا انقِطاعِ = كُليَّتي يا خادمَ المُطاعِ
وليَ هَبْ حُبَّكَ واجعلنِي أبَدْ = لديْكَ محبُوبًا وجُد لي بِمَددْ
مَحوتَ عَن قلبيَ حُبَّ غَيركَا = فلتُغننِي بكَ وَهبْ لِي خيرَكَا
واجعَل فُؤادِي لكَ ذَا تشَوُّقِ = وذَا تقلُّبِ أيا مُوفّقِي

وقال:
وُدِّي وشَوقِي والمَحبَّةُ كُلُّها = وجَّهتُها لكَ يا إمامًا يُكرمُ
ثبِّتْ فُؤادِي فِي مَحبّتكَ التي = مَن حَازهَا لا ينتَحيهِ المُرغمُ
فَوزي بحبِّكَ جادَ لِي بمطالبِي = سِرًّا وجَهرًا منكَ يا متقدِّم

[ نقلا عن كتاب ” خَرق عادة الغوث المُلتحد في حَياة الشيخ عبد الأحد ” للباحث المحاضر الشيخ أبو مدين شعيب غي، ص: (15- 17)، و” منتخبات من قصائد الشيخ عبد الأحد امباكي” اعتنى بطبعه ونشره مام مور طوري خادم الخديم، و” الدِّيوان الشِّعري للشيخ عبد الأحد امبكي الخليفة الثالث للطريقة المريدية في السّنغال” الذي جمعه حفيده الباحث سرين حمزة ميمُونة جختي، النسخة الإلكترونية، ص: (4- 5) باختلاف يسير].

وقال الشيخ محمد الأمين بار امباكي في مدح والده الشيخ الخديم:
ذاك الخديم الذي ما مثله أحد = من زاره عنه حط الله أوزارا   

وقال سُلطان العارفين ومغرفة العارفين المعروف بـ(( سرين محمد جَو بَخَ)) في محبة العبد الخديم:
محبة العَبدِ الخَديم وِردِي = وهو لدَى ذي العرشِ خيرُ وردِ   

[ دواوين الشعراء السّنغاليين في مزايا الشيخ الخديم ].

وهَكذا كانَ الشيخ إبراهيم فاط امباكي حَرفا بحرف الذي فنى فِي حبّ شيخه – رضي الله عنهما -، ويالهُ من توفيق كبير الذي أطلقَ عليه الشيخ الخَديم باسم (المريد الصَّادق ) !!

وقال شيخه في حقِّه أيضا : “…. أيُّها المذبوحُ بحبِّنا الذي لا يُذبح به إلا سَعيدٌ لا يشقى أبدا…”

وقال الشيخ عبد الرحمان لوح : ” لما طلبَ الشيخ الخديم من أكابر أتباعه – إثر ما رضي عنهم رضًى لا سُخط بعده – أن يبين كل واحد بمُراده، فقال للشيخ إبراهيم فال مُريده الأكبر ما ذا تريد يا إبراهيم ؟ أجاب إبراهيم فال بقوله: إنِّي أريد أن يزداد حُبِّي لك كل يوم وسَاعة. ثم أضافَ الكاتب قائلا: وذلك حاصلٌ عند من كان يعرف هذا الشيخ معرفة تامة فحبه للشيخ الخديم – رضي الله عنه – كان حبًّا جُنونيا. لما قال بعض الناس كلام الشيخ إبراهيم فال للشيخ مصمب جوب وقالوا له إنه أكثر منكم حرصا على حُبِّ الشيخ، رد الشيخ مصمب جوبْ بقوله: كلا، إنَّ لفي قلبه فراغا ومتَّسعا لذلك. فنحن قلوبنا مليئة به ولم يبقَ منه فراغ أو متسع). [ انظر: كشف الغطاء عَن الشخصية البتراء، للباحث الشيخ عبد الرحمان لوح بن الشيخ مصطفى لوح، بتصرف قليل، ص : ( 53- 57)].

ولله درّ الشيخ إبراهيم جوب المشعريّ الذي يقُول مادحا قطب الأفاضل:
مَحبّتُه غُنمٌ وإخدامُه عُلًى = مُوالاتُه خيرٌ معاداتُه ضَيرٌ

[ ينظر: ديوان الشيخ إبراهيم جوب المَشعري – رضي الله عنه – ، حققه ورتبه وعلّق عليه: الشيخ عبد القادر بن شيخ ميمونة الكبرى امباكي، وأبو مدين شعيب تياو، طوبى السنغال 1438ه‍ 2017م، مطبعة المعارف الجديدة، ص: 161]

قال الشيخ إبراهيم جُوب المشعري في وسيلته وشيخه:
ما لي لِبغدادَ شوقٌ لاَ ولا فاسِ = لكنْ برُؤيا “جُلفْ” قَد بعتُ أنفاسِي
حيثُ الخديمُ ثَوى حيثُ المُريدُ حَوى = سرًّا يطهرهُ مِن كلّ أدناسِ
ذاكَ الخديمُ خَديمٌ لا يُماثلُه = مَن جلَّ أو قلَّ من جنٍّ ومن نَاسِ

[ المصدر نفسه، ص:211]

ويجدر التنبيه أن المقصُود بالشيخ هنا شَيخ التربية والتَّرقية، وهوالقائد الرُّوحِي والمرجِع الأعلى عند الصُّوفيةِ، كما قال
القاشاني: ” الشيخ هو طبيب الأرواح، وهو الإنسانُ البالغ في معرفة علوم الشَّريعة، والطَّريقة والحقيقة إلى الحد الذي يتمكن معه من مُعالجة الأمراض الحاصلة فِي نفوس الطالبين للوصول إلى الله تعالى، فالشيخ عند السَّالكين هو الذي سلك طريق الحق، وعرف المخاوف والمَهالك، فيرشد المُريد ويشير عليه بما ينفعه ويضره “. [ ينظر: ” السير والسلوك إلى مَلك الملوك “، ص: (122)].

وقد قال عبد القادر عيسى: ” … يُمكن لطالب العلم أن يكون له أساتذة عدَّة، ويُمكن للمُريد أن يكون له أساتذة في العلم؛ لأن ارتباطه بهم ارتباط عِلمي، بينما صلة المُريد بشيخ التربية صلة قلبية وتربوية ! ” . [ حقائق عن التصوف، ص: (99)].

2- امتثال أوامر الشيخ حيث ورد

يعني: أن يكون المُريد السَّالك مُمتثل أمر شيخه إما أن يكون شيخا معلّما أم شَيخا مُربيا أم شيخًا مرقيا؛ لأنَّ الشيخ المُرشد والناصح الأمين، والعابد المطيع لا ينحرفُ عن الصّراط المستقيم، ولا يخالفُ ربَّ العباد والبلاد والنَّبي المشفع العابدَ، بل يقوده بالعلم النَّافع والعمل الصَّالح ونبذ العادة السَّيئة، فإذا كان الشيخ يتّسم بهذه السمات النبيلة والأوصاف الكاملة فطاعته واجبة لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النساء: 59]

وقد فرضها الله عَلى المؤمنين قاطبة طاعتهم، ويتضمن أولو الأمر فِي الآية على الحكام والرؤساء والملُوك، وفي هذا السِّياق يقول الشيخ الخديم – رضي الله عنه – في منظومته « فيض الغني المغني»:
وَاجْعَلْ مِنَ الْوَاجِبِ عِنْدَ اللهِ = طَاعَةَ عَيْنٍ لَمْ يَكُنْ بِلَاهِ
كَالْأُمَرَاءِ الْـمُؤْمِنِينَ الْعُلَمَا = مَنْ يَأْمُرُونَ بِبُـرُورٍ عُلِمَا
فَكُلُّ مَنْ أَطَاعَ عَيْنًا جَاهِلَا = فَلَا يَزَالُ خَائِفًا وَذَاهِلَا

وقال أيضا وهو يُرشد المُريد على أن يُبايعَ شيخا يقتفي بالرسُول الهادي الأمين – صلى الله عليه وسلَّم – : ” وكل شيخ يأمر أو ينهي بغير إذن من الله تبارك وتعالي ومن رسُوله عليه الصلاة والسلام ويأمر من جهة نفسه أو ينهي من جهتهما فضال مضل، وإلى هذا أشرت بقولي:
ووجبتْ طاعَة من يقفو الرسُول = صلى عليه من به يحبُو بسول
من رؤساء دين ذي الكمَال = من لا يرى منهم سِوى الجَمال

[ المجموعة الكُبرى، ص: (173)]

وقال:
فَحَيْثُمَا أَمَرَكَ الْمُرَبِّي = فَامْتَثِلِ الْأَمْرَ تَصِلْ لِلرَّبِّ
وَحَيْثُمَا نَهَاكَ عَنْ شَيْءٍ فَلَا = تَمِلْ لَهُ وَعَنْ رِضًى لَا تَغْفُلَا

[ المجموعة الصُّغرى، ص: (15)]

ويقول أيضا : (( مِن آداب المُريد سُرعة الإجابة بعد سَمعه دعوة الشيخ وحُسن امتثال الأوامر بعد خُروج الإذن من الشَّيخ مع حُسن ظنه به بلا حُرون ولا نفاق، (( أولئك يُسارعون في الخيرات وهم لها سابقون )) (( سَابقوا إلى مغفرة من ربِّكم )). [ المصدر نفسه، ص: (2) ]

ولكن الشيخ إذا أمر من جهة نفسه وخالف القُرآن الكريم والسنة النَّبوية فلا سمع ولا طاعة؛ لأنَّه شيطان مَريد وفخوخ يجذب الورى إلى بحر الرَّدى والهلاك وإن كان يدعي الصَّلاح والكمال والولاية، كما ورد في الحديث النَّبوي : ( السَّمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره إلا أن يؤمرَ بمعصية فلا سَمْعَ ولاطاعةَ ) [ رواهُ البخاري ] .
وقال أيضا في حديث آخر: ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) [ رواه أحمد (1098)]

وقال أيضا ناظما هذا الحديث في منظومته ” الجوهر النَّفيس “:
حديثُ لا طَاعةَ للمخلوقِ = فِي مَعصيةِ الخالقِ فَالميثاقَ قِ

وقال الشيخ أيضا: ” ومن توجهت إليه الناس، وتوجه هو معهم إلى نفسه أو إلى أنفسهم دفعهم ربّ الناس، إلى النار التي وقودها الناس والحِجارة “. [ المصدر نفسه ]

ويقول حفيده المُجاهد سرين شيخ أحمد امباكّي غايندي فاطمة في كتابه ” كلمة الله هي العُليا ” : ” وطاعة أولي الأمر لا تجب إلا في حُدود ما أمر به اللهُ ورسوله فَمن أمر بما يوافق الكتاب والسنة فطاعته واجبة، ومن أمر بما يخالفهما فلا سَمع ولاطاعةَ “.

ولذلك أمرنا الشيخُ بأن نبايعَ المُربيَّ النَّاصحَ والواصلَ الموصل والمعتصم بسنة الإكليل والمطيع القائد إلى الجليل، فقال:
فَاسْلُكْ عَلَى يَدَيْ مُرَبٍّ نَاصِحِ = يَقُودُ لِلْإِلَهِ بِالنَّوَاصِحِ
فَمَنْ تَعَلَّقَ بِوَاصِلٍ وَصَلْ = وَمَنْ تَعَلَّقَ بِعَكْسِهِ انْفَصَلْ
إِذِ الْمُرَبِّي لَا يُرِيدُ فِي الْمُرِيدْ = إِلَّا الْوُصُولَ نَاجِيًا مِنَ الْمَرِيدْ
وَمَنْ عَلَى الْإِلَهِ دَلَّكَ فَإِنْ = خَالَفْتَهُ فَلِلْمَرِيدِ تَطْمَئِنْ
فَمَنْ عَلَى غَيْرِ الْإِلَهِ دَلَّكَا = فَفِرَّ مِنْهُ إِنَّهُ أَضَلَّكَا [6]

وقال أيضا:
فالشيخُ لا يُخالفُ المُشفّعا = فمن نَحا أمر المُربّي انتَفعا [7]

ثمَّ قال :
ومَن أرادَ القُربَ من ربِّ الورى = فليطلبن شيخًا ويتل السورا
إن امتثالَ أمر شَيخ عارف = يفضي المُريد لذوي المعارف
ثم تلاوة الكتاب ينفعُ = تاليه وللجنان يرفع
إن المعارفَ كُنوز تبْقى = مع ذويه والإله أبقى
دومُوا عَلى امتِثال أمر الربِّ = بأمر شَيخ واصِل مُربِّ [8]

ويقول في هذا الصَّدد في منظومتهِ الفائقةِ ” مغالق النيران ومفاتِحُ الجنان ” :
مَن طلبَ الوصُولَ للجَليلِ = فلْيعْتَصمْ بِسُنة الرسُولِ
بِأن يُلازِم مُّطيعًا لا يَميلْ = فِي ظَاهِرٍ وبَاطِنٍ عنِ السَّبِيلْ
يَقُودُهُ بالْعِلْمِ والْعبادَهْ = كَمَا يُرَبِّيهِ بِتَرْكِ العادَهْ

وقال في منظومته ” تزود الصِّغار”:
وَلا زمُوا مَنْ لا يَزالُ عَابدا = لربِّه إلى هُداهُ قائِدَا

وقال في منظومتهِ “مسالك الجنان”:
ومَن بفقهٍ وتصوف وجَمعْ = فهو الذي حُق له أن يتبعْ

ثُمَّ عرج الشيخ عقب ذلكَ إلى ذكر وصف المُريد، فقال:

وصفُ المُريد تَركه الإراده = لوَجه من يفعل مَا أراده
من لم يُرد شَيئا سوى مَولاهُ = يصل له وخيرَه أولاهُ

ويتضح مما سبق أنه لا يجبُ امتثال أوامر كل من هبَّ ودبَّ بل هناك معايير عند اختيار الشيخ المربي، كما بيَّنها الشيخ الخديم – رضي الله عنه – وهو الذي يمتثل أوامره بالكلية دون اعتراض من خلال كتاباته.

إذا دقَّقت النَّظر – أيُّها النَّقيبُ الفَحيص – ترى وتدركُ أن الشيخ الخديم لم يأمُر بالمبايعة وامتثال أوامر الشيخ هملاً دون التطرق إلى بيان الصفات التي ينبغي أن يتوفر على الشيخ المبايع حتى يكون أهلا للبيعةِ ( واصل – مرشد – معتصم بالسُّنةِ – قائِد – ناصح – عارف – مطيع – عابد ) فهذا حقًّا هو الواصلُ بنفسه والموصل لغيره، وأما غيره فهو قاطع الطّريق …

ومن الأمثلة عَلى امتثال المُريدين لأمرهِ ما يروى فِي الحكاياتِ: ” أنَّ الشيخ عبد الرَّحمان لُوح رغم تَوافد الناس عَلى الشيخ الخديم في هذه الأيام التسعة التى مكث في دار أخيه مام شيخ هنت رغم هذا كله، لم يتحرك من بيته رغم قصر المسافة التي لا تبعد ميلا بدأ بعض الناس يلُومه ويقولون : إنك لم ترد ولم تتشوق عودة الشيخ الخديم !؟

أجاب لهم بقوله كلا ! ليس الأمر كذلك أو كما تعتقدُون لأنه قال لي: ” أبق هُنا حتى أرجع إلى هنا ” فكيف أذهب إليه دون إذن ؟! وبقي في حاله ماكثا في داره العليم الخبير حتى مر الشيخ الخديم به في مَسيره إلى دار المنان “. [ نقلا عن كتاب ” كشف الغطاء عن الشخصية البتراء” في سيرة سرين اندام عبد الرحمان للباحث الحفيد سميه الشيخ عبد الرحمان مصطفى اللوحي، ص: ( 65 – 66) ]

ولا غَرو لأنَّهم قالُوا: ” لا ضرَر مع الإذن ” وكذلك فإنَّ شَيخهُ قال [ المجموعة، ص: (75)]:
لا تَفعلُوا شَيئا بغَير إذنِ = فالإذنُ شَرط في قَبولِ الشَّأنِ

ولا يَصلُ المُريدُ إلى هَذه الدرجة العالية السَّامية إلاَّ إذا كان مُمتثلا للأوامر ومجتنبًا للنَّواهي، وينقسم إلى قسمين: امتثال الأوامر وطلبُ الإذن، ثم ذكر المُحاضر الشيخ محمد الفاضل بُوسُو: ” بأنَّ طلبَ الإذن شَرط من شُروط المريدية كما كان يفعَلُ أجدادنا من قبلُ لا يزوجون بناتهم إلا بإذن الشيخ ولا يأكلُون من مزارعهم إلا بعد طلب الإذن. وهَذا يخالفُ تماما لما نَراه اليوم من المُريدينَ “.

ويقول الإمام أبُو المواهب الشَّعرانيّ في كتابه ” الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية ” : ” اعلم أن المُريد الصَّادق لا يطالبُ أستاذه بشيء ولا بالجوابِ عَن شيء سألهُ فيه “. [ ينظر: كتاب ” الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصُّوفية ” ( الباب الثاني في بيان نبذة من آداب المُريد مع شيخه)، ص: (132) النَّاشر/ دار جوامع الكلم].

وقال أيضًا : ” اعلم أنه من شأن المُريد الصَّادق أنه لا يخالفُ شَيخه إذا أمره شَيخه أن يترك مُباحا من مُباحات الشَّريعة ولا يحتج عليه بأدلة الإباحة؛ لأن الشيخ إنما مُراده الترقّي للمُريد والمُباح لا ترقى فيه من حَيث هو مُباح “. [ المصدر نفسه، (187)]

وبالاختصار، يمكن أن نستنتج مما سبقَ أنَّ امتثال الأوامر مَطية المُريد للوصُول إلى درجة المُريد الصَّادق التي ليست بالهين اليسير كما يعتقدُ البعضُ .

3- تَركُ الاعتراض

و يجبُ عَلى المُريد الصَّادق أيضا ترك الاعتراض عَلى شيخه مطلقا ولو في ليل أونَهار أو غَيبتِه أو حُضُوره، مع ترك كلّ ما يعوقه للوُصول إلى رضاء الله تعالى حتى يكُون كالمَيت عَلى يَدي غاسِلهِ [9]، كما قال العلامة ابن حجر الهيثمي – رحمه الله – : ” ومَنْ فتح باب الاعتراض على المشايخ والنظر في أحوالهم وأفعالهم والبَحث عنها فإن ذلك علامة حرمانه وسوء عاقبته، وأنه لا يَنْتُج قط، ومن ثَمَّ قالوا: [ مَن قال لشيخه لِم ؟ لَمْ يفلح أبداً ] [ المقصود بهذا الأدب هو مريد التربية والكمال والوصُول إلى الله تعالى، أما التلميذ الذي يأخذ علمه عن العلماء فينبغي له مناقشتهم وسؤالهم حتى تتحقق له الفائدة العلمية] أي لشيخه في السلوك والتربية “. [ ينظر: ” الفتاوى الحديثية”، ص: (55). للمحدث ابن حجر الهيثمي المكي (المتوفى سنة 974هـ)].

وقال أيضا: ” ومَن فتح باب التأويل للمشايخ، وغض عن أحوالهم، ووكل أمورهم إلى الله تعالى، واعتنى بحال نفسه وجاهدها بحسَب طاقته، فإنه يُرجى له الوصُول إلى مقاصده، والظفر بمراده في أسرع زمن”. [المصدر نفسه، ص: (55)].

وقد قال أبو علي الدقاق – رحمه الله تعالى – : ” من دخل في صُحبة شيخ ثم اعترض عليه بعد ذلك، فقد نقض عقد الصُّحبة، ووجب عليه تجديد العهد، عَلى أن الأشياخ قد قالوا: إن عُقوق الأستاذ قد يترتب عليه استحكام المقت، فلا يكاد يصح من ذلك العاق توبة ! وكان أبو جعفر الخلدي يقول: ” من لم يحفظ الأدب مع المشايخ سلَّط الله عليه الكلاب التي تؤذيه “. [ الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، الشعراني، ص: (114- 155)].

ويجدرُ بِالمُريدِ السَّالك الذي يُريد الوُصُول أن يعتقد في شَيخه الكمال كما قال الشَّعرانيّ في كتابه ” الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية” نقلا عن الشيخ عبد القادر الجيلانيّ – رضي الله عنه – : ” اعلَم أن مَن لم يعتقد فِي شَيخه الكمال لا يفلح عَلى يَديه أبدا “. [ الأنوار القدسية: (1/174)].

ولا يجُوز عليه مُجالسةَ أهل الاعتراض على حد تعبير الشَّعرانيّ وسمعتُ سيدي عليا المرصفي يقول: ” اعلم أنه ليسَ للمُريد أن يجالس من يعتَرض على شيخِه أبدا ؛ لأنه ربما أورث عنده شكا فى حال شَيخه بكلامه الجافِي وميزانه الجائر “. [ ينظر: كتاب ” الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصُّوفية ” ( الباب الثاني في بيان نبذة من آداب المُريد مع شيخه)، ص: (172)، النَّاشر/ دار جوامع الكلم].

ولا يشكُّ أحد أنَّ اعتراض المشايخ أو إنكارهُم مُصيبة عظيمة، كما يقول بعضُ الصُّوفية في التَّحذير من الإنكار عَلى أولياء الله: ” وإن كلام الصوفية في تحذير من لا يفهم كلامهم ولا يعرف اصطلاحاتهم من قراءة كتبهم ليس من قبيل كتم العلم، ولكن خوفا من أن يفهم الناس من كتبهم غير ما يقصدون، وخشية أن يؤولوا كلامهم على غير حقيقته، فيقعوا في الإنكار والاعتراض، شأن من يجهل علما من العلوم. لأن المطلوب من المؤمن أن يخاطب الناس بما يناسبهم من الكلام وما يتفق مع مستواهم في العلم والفهم والاستعداد ” . [ ينظر: ” لطائف المنن والأخلاق، تأليف: عبد الوهاب الشعراني، ج2، ص: (149)].

وفِي هذا المضمار يقول صاحبُ كتاب ” النفحات المسكية ” وفِي” لطائف المِنن” ص: ( 153) لابن عطاء الله الإسنكدري وصِيَّة وإرشاد : ” إياك – أيها الأخ- من أن تصغيَ إلى الواقعين في هذه الطائفة والمستهزئين بها لئلا تسقط من عيْن الله، وتستوجبَ المقتَ عند الله، فإن هؤلاء القوم جلَسوا مع الله على حقيقة الصدق، وإخلاص الوفاء، ومراقبة الأنفاس مع الله، قد سلَّموا قيادَهم إليه، وألقوا نفوسهم بين يديْه، تر‌َكوا الانتصار لأنفسهم حياءً من ربوبيته لهم واكتفوا بقيُّوميتِه، فقام لهم بأوفى ما يقومون به لأنفسهم، وكان هو المحاربَ عنهم لمن حارَبَهم، والغالبَ لمن غالَبَهم. ولقد ابتلى اللهُ سبحانه هذه الطائفةَ بالخَلق خصوصا أهل العلم الظاهر؛ فقلَّ أن تجدَ منهم من شرحَ الله صدرهُ للتحقيق بوليّ معين، بل يقول لك: نعَم، نعلم أن الأولياءَ موجودون ولكن أين هم؟ فلا تذكر له أحدا إلا وأخذ يدفعُ خُصوصية الله فيه، فاحذر ممن هذا وصفهُ وفرَّ منه فرارك من الأسَد” انتهى منه باختِصار، ولله درّ القائل [ عبد الله بن علوي] :

وسلِّم لأهلِ الله في كلّ مُشكلٍ = لديكَ لدَيهم واضحٌ بالأدلَّةِ

ويقول أيضا: وقال سيدي عبد الوهاب الشَّعراني – رضي الله عنه – فِي” المِنَن “: قد أجمعَ أهل الكشف على أنه ما أنكر أحد شيئا أخبره به أهل الكشف إلا حُرِم ذلك الأمرَ الذي أنكره ولو بلغ الغاية في السُّلوك، فلا يعطى ذالك الأمرَ عقوبةً له على إنكاره وتكذيبه أولياءَ الله تعالى الذين هم آياته في الأرض، وبهمْ يرزق الناس وبهمْ يُمطَرون، وبهمْ يدفع الله البلايا عن عباده. انتهى كلامه. [ ينظر: ” النفحات المسكية في السيرة البكية “، للعلامة الشنقيطي محمد عبد الله العلَوِيّ – رضي الله عنه-، ص: 87- 91، دراسة وتحقيق: الباحث أبو مدين شعيب تياو والأخ محمد بامبا دَرامي]

وما ألطف قول الإمام الجيلاني – رضي الله عنه – في قصيدته النادرات العينيّة المشهورة:
وإن سَاعد المقدُور أو سَاقك القضا = إلى شَيخٍ حقٍّ في الحَقيقةِ بَارعُ
فقُم في رضَاه واتبع لِمُراده = ودَع كلّ ما من قبل كنت تسارعُ
وكُن عندَه كالميْت عند مُعسِّل = يُقلِّبه ما شاء وهْو مطاوعُ
ولا تعتَرض فيما جهلتَ مِن أمره = عليه فإن الاعتراضَ تنازعُ
ففِي قصَّة الخضرِ الكَريم كِفاية = بقتل غلامٍ والكليمُ يُدافع
فلما أضاء الصُّبح عَن ليل سرِّه = وسَلّ حُساماً للغياهب قاطعُ
أقام له العُذر الكليمُ وإنَّه = كذلك علم القَوم فيه بَدائعُ

[ ينظر : شرح ” تائية السلوك إلى ملك الملوك ” الشيخ عبد المجيد الشرنوبي الأزهري، ص: (94) وما بعدها، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، و”فتوح الغيب” للإمام الجيلاني من قصيدة تُسمَّى ” النوادر العينية في البوادر الغيبية” وهي تبلغ 534 بيتا ص: (201)، وأيضا ” كشف اللثام عن تصوّف الُمظلَّل بالغمام – صلى الله عليه وسلّم – ” تأليف: دكتور محمد سيد سلطان جامعة الأزهر الشريف، الناشر: دار جوامع الكلم، الطبعة الأولى: 1432- 2011م، ص: (222)،
وكتاب ” نهج قَضاء الحَاج فيما من الأدبِ إليه المُريد يحتاجْ، لشَيخنا الخَديم أبي المَحامد – رضي الله عنه – مع اختلاف يَسير فِي بعض ألفاظها]

4- سلبُ الاختيار مع الشَّيخ

إنَّ مما لا ريبَ فيه أنَّ هذه الصِّفة من أهمِّ الأهداف التي قامت عليها الحركة الإصلاحية والمبادئ، كما قال الباحث اللوحيُّ: ” أما الأهداف فيتضح مما سبق أنها تتلخص في إحداث تغيير جذري في وضع المجتمع الفاسد يتناول النواحي الدينية والاجتماعية والاقتصادية وفقا لتعاليم الإسلام.
وأما المبادئ فقائمة على أساس من الكتاب والسنة وهي اثنا عشر مبدءًا :
أولها: نية الخير وقول الخير وفعل الخير.
وذكر منها: إسقاط التدبير وهو سلب الاختيار. [ ينظر: ” حقائق عن حياة خادم الرسول، وحَركته الإصلاحية ” محاضرة للشيخ مُصطفى عبد الرحمان لوح، نيويورك، 28 – 07 – 1989 م]

ومن الأمثلة على سَلب الاختيار أنّّ الشيخ الخديم دعا أخاه الشيخ إبراهيم فاط – رضي الله عنهما – ذات يوم من دار المُعطي إلى جربل قال الشيخ إبراهيم لما وصلت إليه وجدته وحيدا في ركن من أركان البيت، انتظرت حتى أذن لي بالاقتراب، وكان مستقبلا وسلمتُ عليه ورد السلام.

وقال لي يا إبراهيمُ، وجدتني أفكر في أمر عبد الرحمان لُوح لأنه هُو الوحيد الذي ليس لي و له يوم؛ وكل واحد من المُريدين كان لي وله يوم لو لم أقض له حاجته في ذالك اليوم لأدبر عني وذهب لحاله إلا عبد الرحمان؛ وهو الوحيد الذي لم يطلب مني حاجة ولم أعرف منه مراد ا!

لما سمع الشَّيخُ عبد الرحمان لوح هذا الكلام قال: لا يليقُ علي أن يعرف مطلبي ومرادي لأن هَذا ينافي وشروط المُريد الصادق المنظومة فِي الأبيات، ولأن الشيخ الخديم – رضي الله عنه – قال لي: إنك مُريد صادق، وللمُريد الصادق صفات أربعة، قلت: راجع تلك الأبيات المنظومة لبيان صفات المُريد الصادق تجد فيها:
ومعه سَلبُ الاخْتيَارِ = لحُسن ظنِّه بلا إنكارِ
[ ينظر: ” كشف الغطاء عن الشخصية البتراء “، للباحث سرين عبد الرحمان لوح بن الشيخ مُصطفى لوح عبد الرحمان، الذي قدم عليه وراجعه الشيخ مصطفى لوح عبد الرَّحمان، ص: (71- 72)]

ومَن يتأمل كلامهُم يجد أنَّ من آداب المُريدين على شيخه حُسن الظن به وعدم الانشغال بعيوبه ووَكْلُ أموره إلى الله تعالى، مصداقا لقول الشَّاعر:
ولا تر العَيب إلا فيكَ معتقدًا = عيبًا بدا بيِّنًا لكنَّه استتَرا

ويقول الشَّعرانيُّ – قدَّس الله سرّه -: ” …. إِذا ما رأى كلامًا مشتبهًا يحتمل ويحتمل، أحسن الظن بهم، والتمس سبلاً لتأويل كلامهم بعد أن تبين له أن التأويل جائز في كلام الله تعالى وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وكلام الفقهاء والمُحدثين والأصوليين والنحويين وغيرهم. ولهذا قال الإِمام النووي – رحمه الله تعالى -” يَحرُم على كلِّ عاقل أن يسيء الظن بأحدٍ من أولياء الله عزَّ وجل، ويجبُ عليه أن يؤول أقوالهُم وأفعالهم مادام لم يلحق بدَرجتهم، ولا يعجز عن ذلك إِلا قليل التوفيق “. [ ينظر: كتاب “اليواقيت والجواهر” ج1، ص: (11)].

ويقول إبراهيم الدسوقي – أحد الأقطاب الأربعة المدّركين -: ” … وكذلك ينبغي له (أي : للمُريد) أن يحذر من تأويل كلام شيخه عن ظاهره إذا أمره بأمر، بل يبادر إلى فعل ذلك من غير تأويل ” . [ الأنوار القدسية: (2/97)].

الهوامشُ:

1- يُراجع: لَمحة تاريخية عن التصوف الإسلامي في أفريقيا – السنغال نموذجا – بقلم الدكتور محمد المختار جي

2- فائدة: جنةُ المُريد دُون المَريد كتاب نفيسٌ في التصوُّفِ للشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي مختار الكنتي طبع بدراسة وتحقيق د. محمد المهداوي، مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصُّوفية المتخصّصة التابع للرابطة المُحمدية للعلماء، ضِمن سلسلة ” مأثور السلوك”، طبعة دار أبي رقراق للطباعة والنَّشر، 1433ه‍ – 2012م . [ ينظر: هامش منظومة “مسالك الجنان في جَمع ما فرقه الدَّيمانيّ” للشيخ الخديم – رضي الله عنه – ، السِّلسلة الثانية من ثَمراتِ الرَّوض دراسة وتحقيق دائرة روض الرّياحين، طبع بمطبعة المعارف الجَديدة – الرباط في سنة: 2014م – 1436ه‍ ، ص: (39)‍ ].

3- مقتطف من بحثي المعنون بـِ (نبذة حول المريدية والتصوف الإسلامي) سنة 2010م، ولقد استفدنا كثيرا من بحثنا المعنون بـ ” وقْفَة مع صِفات صَادق المُريدينَ ” بقلم الأخِ سَرين امباكّي جوب خضر الطوبويّ.

4- وهذا يتضمنُ معنى قول الدَّغانيّ : ” مَحبَّة الشَّيخ سَفينة المُريدين بها يعبرُون بُحور نفوسهم، إذ السَّير بالمحبَّة كالسَّير بالخطوة يصل صَاحبها إلى مقامات في اليَسير ما لم يصلهُ غيره في المدَّة الطَّويلةِ “. [ يُراجع ” النبذة المباركة “،
للدَّغانيّ ]

5- يُراجع “عناية الشيخ الخديم – رضي الله عنه – بمولدِ النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – ” للباحث أبي مدين شعيب تياو الأزهري، بتصرف يسير .

6- ينظر: “مجموعة وصايا الشيخ الخديم ” (قطعة تقطع بين المُريد والمُريد) ص: (15) التي مطلعها :
وَصْفُ الْمُرِيدِ تَرْكُهُ الْإِرَادَهْ = لِوَجْهِ مَنْ يَفْعَلُ مَا أَرَادَهْ
مَنْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا سِوَى مَوْلَاهُ = يَصِلْ لَهُ وَخَيْرَهُ أَوْلَاهُ

7- المَجموعة الكبرى

8- المصدر نفسه، ص: (16)

9- وفي هذا المَعنى يقول الشيخ الخديم – رضي الله عنه – في منظومتِه ” نهج قضاء الحاج “:
وكُن لدَى الشَّيخ كمَيتٍ وُضِعا = بَينَ يَدي غاسِله تَنتَفعَا

وقال الإمامُ الشَّعرانيُّ: ” اعلم أن المُريد الصَّادق مع أستاذه كالميت مع مغسله؛ لأنه أمين على المُريد فيما يرقيه، ورب عمل فاضل دخلته النفس فصار مفضولا . فالشيخ هو والد السِّر في اصطلاحهم ويجبُ على الولد عدم العقوق لوالده وليس للعقوق ضابط يرجع إليه، إنما الأمر عام في سائر الأحوال “. [ ينظر: كتاب ” الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصُّوفية “، ص: (131 )، النَّاشر/ دار جوامع الكلم، بتصرُّف قليل ].

وللاستزادة يراجع آداب المريد الصادق مع الشيخ في كتابات ابن عربي الحاتمي، والشعراني، وأحمد زروق، وابن عجيبة، والسهروردي، وغيرهم.

ويجدر التَّنبيه هُنا أنَّ للإمام أبي المواهب العارف عبد الوهاب الشعراني – قدَّس الله سرَّه، ونوّر ضريحهُ – عدة كتب تَحمل عنوان ” الأنوار القدسية ” ومنها : كتاب ” لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية، و ” الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصُّوفية “، وكتاب ” الأنوار القدسية في بيان آداب العبودية “، و ” الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصُّوفية “.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.